فخر الدين الرازي

97

تفسير الرازي

قلنا : فيه وجهان : الأول : قال أبو مسلم الأصفهاني : مقصود المشركين إحالة الذنب على هذه الأصنام وظنوا أن ذلك ينجيهم من عذاب الله تعالى أو ينقص من عذابهم ، فعند هذا تكذبهم تلك الأصنام . قال القاضي : هذا بعيد ، لأن الكفار يعلمون علماً ضرورياً في الآخرة أن العذاب سينزل بهم وأنه لا نصرة ولا فدية ولا شفاعة . والقول الثاني : أن المشركين يقولون هذا الكلام تعجباً من حضور تلك الأصنام مع أنه لا ذنب لها واعترافاً بأنهم كانوا مخطئين في عبادتها . ثم حكى تعالى أن الأصنام يكذبونهم ، فقال : * ( فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون ) * والمعنى : أنه تعالى يخلق الحياة والعقل والنطق في تلك الأصنام حتى تقول هذا القول ، وقوله : * ( إنكم لكاذبون ) * بدل من القول ، والتقدير : فألقوا إليهم إنكم لكاذبون . فإن قيل : إن المشركين ما قالوا إلا أنهم لما أشاروا إلى الأصنام قالوا : إن هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك وقد كانوا صادقين في كل ذلك ، فكيف قالت الأصنام إنكم لكاذبون ؟ . قلنا : فيه وجوه : والأصح أن يقال المراد من قولهم هؤلاء شركاؤنا هو أن هؤلاء الذين كنا نقول إنهم شركاء الله في المعبودية ، فالأصنام كذبوهم في إثبات هذه الشركة . وقيل : المراد إنكم لكاذبون في قولكم إنا نستحق العبادة ويدل عليه قوله تعالى : * ( كلا سيكفرون بعبادتهم ) * ( مريم : 82 ) . ثم قال تعالى : * ( وألقوا إلى الله يومئذ السلم ) * قال الكلبي : استسلم العابد والمعبود وأقروا لله بالربوبية وبالبراءة عن الشركاء والأنداد : * ( وضل عنهم ما كانوا يفترون ) * وفيه وجهان : وقيل : ذهب عنهم ما زين لهم الشيطان من أن لله شريكاً وصاحبة وولداً . وقيل : بطل ما كانوا يأملون من أن آلهتهم تشفع لهم عند الله تعالى . قوله تعالى * ( الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ ) * اعلم أنه تعالى لما ذكر وعيد الذين كفروا ، أتبعه بوعيد من ضم إلى كفره صد الغير عن سبيل الله . وفي تفسير قوله : * ( وصدوا عن سبيل الله ) * وجهان : قيل : معناه الصد عن المسجد الحرام ، والأصح أنه يتناول جملة الإيمان بالله والرسول وبالشرائع ، لأن اللفظ عام فلا معنى للتخصيص